ماذا فعلت الحرب باللبنانيين وفي أي إتجاهات دفعتهم؟

يمكنك الضغط على الرابط ادناه لتنزيل المقال أو قراءته هنا ضمن هذا القسم.
يعيش اللبنانيون حربًا جديدة وهم لم يضمّدوا جراحهم بعد من حرب الـ 2024. تهجير ونزوح، أوضاع معيشية متقهقرة، وانقسام حاد في الآراء والمواقف السياسية تجاه هذه الحرب. لمعرفة أعمق عمّا يعيشه اللبنانيون حاليًا وتوقعاتهم لمآل هذه الحرب وتداعياتها عليهم وعلى البلد، أجرت شركة آراء للبحوث والاستشارات بالتعاون مع "رصيف22" استطلاعًا على عينة مؤلفة من 470 مواطن ومواطنة ممّن تفوق أعمارهم 18 سنة بين 24 و31 آذار 2026. وقد راعت العينة التوزيع السكاني وفق مكان السكن والعمر والجنس والمذهب. أجريت المقابلات عبر اتصالات هاتفية تم انتقاؤها عشوائيًا.
ما بين تهجير ونزوح، اضطر 31% من اللبنانيين إلى ترك منازلهم، وغالبيتهم تركوها بشكل دائم (20%) بسبب الغارات الإسرائيلية المتواصلة والانذارات بالإخلاء، أما البقية فبشكل متقطع (11%) بسبب التخوّف والحذر من التواجد بالقرب من أماكن مهدّدة. النسبة الأعلى في التهجير والنزوح حلّت بلا شك بين اللبنانيين الشيعة (73%)، كما طالت سواهم من اللبنانيين السنّة (21%) والمسيحيين (7%)، والدروز (16%).
اللبنانيون غير راضين عن أداء الحكومة اللبنانية في إدارة أزمة النزوح. 47% أعربوا عن عدم رضاهم عن أدائها ووصفوه بالضعيف جدًا (30%) أو بالضعيف (17%)، مقابل 31% أبدوا رضاهم، ووصفوا أداءها بالجيد جدًا (8%) أو بالجيد إلى حد ما (23%)، فيما لم يجب 17% بسبب عدم معرفتهم، ورفض 5% الإجابة. وبرز التفاوت جليًا في عدم الرضا عن أداء الحكومة بين الإناث (53% ضعيف/ضعيف جدًا) وبين الذكور (43% ضعيف/ضعيف جدًا)، وكذلك بين من اضّطرته الحرب ليترك منزله (62% ضعيف/ضعيف جدًا) وبين من سمحت له بالبقاء فيه (40% ضعيف/ضعيف جدًا).
ومقارنة بأداء الحكومة السابقة إبان حرب الـ 2024، اعتبر 51% من اللبنانيين أن أداء الحكومة الحالية أسوأ من أداء سابقتها، بينما اعتبر 19% أنه أفضل، و10% لم يجدوا فرقًا بين الاثنين. على الضفة الأخرى، لم يجب 18% بسبب عدم معرفتهم، و3% رفضوا الإجابة. ليس جديدًا على اللبنانيين أن يعتمدوا على تضامنهم أولًا في شتى أزماتهم الأمنية والاقتصادية، وقد شهدنا مرارًا على نخوة الناس وتعاطفهم خلال الحروب الدامية مع إسرائيل وفي كارثة تفجير المرفأ. ولم يختلف الأمر هذه المرة. 38% من اللبنانيين من كافة الطوائف والمذاهب وبنسب متقاربة (62% دروز، 39% مسيحيون، 37% شيعة، 35% سنّة، و39% ممن لم يفصحوا عن دينهم) هبّوا لمساعدة النازحين من خلال أعمال تطوعية، أو تبرعات نقدية، أو مساعدات عينية، علمًا أن أوضاع الناس الاقتصادية باتت أسوأ مما كانت عليه في حرب الـ 2024.
بطبيعة الحال، عطّلت الحرب أعمال الناس وقلّصت موارد رزقهم بشكل كبير. فباستثناء الفئة التي لا تعمل ونسبتها 30% (طلاب، ربات منزل، متقاعدون، عاطلون عن العمل، وعاجزون)، تأثرت سلبًا أعمال ما يزيد عن نصف الشعب اللبناني (53%) بسبب الأوضاع الراهنة؛ 24% توقفت أعمالهم كلّيًا، و13% توقفت أعمالهم بشكل مؤقت، فيما تستمر أعمال 16% بشكل جزئي. أما الذين أفادوا أن أعمالهم لم تتأثر وما زالت تسير بشكل منتظم فلم تتجاوز نسبتهم الـ 18%. توقف الأعمال كليًا أم مؤقتًا أصاب اللبنانيين بكافة مذاهبهم، لكن النسبة الأعلى حلّت باللبنانيين الشيعة (48%)، يليهم السنّة (37%)، فالمسيحيّون (30%) ثم الدروز (24%)، والذين لم يفصحوا عن مذهبهم (26%). أيضًا، تأثر دوام العمل نتيجة الأوضاع الراهنة لدى نصف الذين ما زالوا يعملون بشكل طبيعي أو بشكل جزئي. ففي حين 52% لم يتأثر دوامهم وبقيت ساعات عملهم على حالها، ذكر 37% أن ساعات عملهم قد انخفضت؛ للبعض كثيرًا (18%) وللبعض الآخر قليلًا (19%)، مقابل قلّة (10%) ذكرت أن الحرب دفعتها إلى زيادة ساعات العمل؛ للبعض كثيرًا (3%)، وللبعض الآخر قليلًا (7%).

"العمل عن بعد" عاد مجدّدا في زمن الحرب ليذكّرنا بزمن الجائحة. 5% من الذين ما زالوا يعملون لجأوا إلى العمل عن بعد بشكل كامل، و7% بشكل أكثر من ذي قبل، فيما 5% كانوا وما زالوا يعملون عن بعد. أما الغالبية (82%) فما زالوا يذهبون إلى مراكز عملهم.
تراجع الأعمال فاقم حكمًا أوضاع الناس المعيشية، إذ أعرب 16% أن دخلهم الأسري انقطع كليّا، و30% تراجع دخلهم بأكثر من 50 بالمئة، و26% تراجع من 25 إلى 50 بالمئة، و9% تراجع بنسبة تقل عن 25 بالمئة، ما يعني في المحصّلة أن 81% من اللبنانيين تراجع دخل أسرهم ولو بنسب متفاوتة. في المقلب الآخر، ذكر 3% أن دخل أسرهم قد ارتفع بسبب الحرب، أما الذين لم يتأثر دخل أسرهم فلم تتجاوز نسبتهم 16%. ومع تراجع الأعمال عمومًا، تبدو فئة الأكثر فقرًا (الدخل الأسري أقل من 400 دولار شهريًا) الأكثر تضرّرًا وتعرّضًا للصعوبات إذ ذكر 65% منهم أن دخلهم الأسري انقطع بالكامل أو تراجع بأكثر من النصف.

تسبّبت الحرب الراهنة بأكبر أزمة نزوح شهدها لبنان بالتوازي مع تدمير ممنهج للقرى والمناطق الزراعية، كما تسبّبت أيضَا بالانقسام الحاد بين اللبنانيين على حسب آرائهم ومواقفهم منها، ما جعل التواصل بينهم مشحونًا إلى حد غير مسبوق، ومهدّدًا العلاقات الأسرية أو مع الأصدقاء. ولا يمكن التغاضي هنا عن الدور السلبي الذي لعبه الإعلام والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي الذي أدّى إلى زيادة الشرخ بين اللبنانيين بدلا من استخدام لغة المنطق التي تقارب بينهم. وعليه، أعرب 42% أن علاقاتهم الاجتماعية تضرّرت بسبب هذه الحرب إذ بات التوتّر يسود بعض العلاقات (20%)، وصار التواصل أقلّ مع بعض الأهل والأصدقاء (20%)، وخسروا بعض العلاقات نتيجة الاختلاف في الآراء والمواقف السياسية (1%)، أو تجنّبوا الحديث في السياسة والحرب حفاظًا على علاقاتهم (1%). في الجهة الأخرى، يبدو أن العلاقات الاجتماعية لـ 58% لم تتأثر بسبب الحرب، واللافت أن معظمهم لم ينتخبوا في انتخابات 2022 البرلمانية ما يظهر بشكل واضح أثر السياسة في حياة الناس الاجتماعية.
أما علاقة الشعب اللبناني مع المهدئات كملجأ من صدمات البلد، فلطالما كانت محط تعليقات فكاهية، ويبدو أن صدمة الحرب الحالية دفعت 3% من اللبنانيين إلى البدء باستخدام المهدئات، كما زاد اتكال 2% عليها، فيما بقي استخدام 4% لها كما كان قبل الحرب. للإشارة إلى أن نسبة النساء اللواتي بدأن باستخدام المهدئات في هذه الحرب (5.7% منهن) أعلى من نسبة الرجال (1.2% منهم). ولإعطاء هذه النسب حجمها، فإن حوالي 150 ألف من اللبنانيين البالغين قد بدأوا أو زادوا من استخدامهم للمهدئات أي ما يعني تقريبًا تضاعف كمية الأدوية المهدئة المستخدمة.
فيما خص الأمور المعيشية، تبدو التوقعات للمرحلة المقبلة سوداوية حول الأوضاع الاقتصادية وسواها من الأمور. فعلى الرغم من خشية بعض اللبنانيين من تفاقم الأوضاع، يستبعد البعض الآخر تدهورها، وهذا ما أظهرته قراءة آراء اللبنانيين المتطرفة (أي الذين يتوقعون حدوث الأمر حتمًا أو الذين يستبعدون حدوثه قطعًا): أولاً، التوقعات للمرحلة المقبلة هي "مزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية"، والذي يتوقعه حتمًا 31% من اللبنانيين وبنسب متقاربة بين المذاهب كافة، مقابل 6% يستبعدونه قطعًا والنسبة الأعلى فيهم من اللبنانيين الشيعة.

ثانياً، تستبعد الأغلبية انقطاع الموارد الأساسية كالنفط والغذاء والدواء. بالرغم من "انقطاع البنزين والمازوت" بعد الأزمة المالية في 2019 إلا أن نسبة الذين يتوقعون حدوث الأزمة حتمًا قد تساوت مع نسبة الذين يستبعدونها قطعًا (14% لكل منهما) مع أغلبية باقية رجحت عدم حدوثها كما يبين الرسم البياني.

ثالثًا، "نقص في المواد الغذائية الأساسية" مع 12% للذين يتوقعون حدوثها حتما مقابل 17% للذين لا يتوقعون حدوثها قطعًا.

رابعًا، "نقص في الأدوية والخدمات الصحية" مع 12% للذين يتوقعون حدوثها حتما و16% للذين لا يتوقعون حدوثها قطعًا.

إن كان اللبنانيون يعرفون تمامًا كيف ومتى بدأت الحرب، تبقى توقعاتهم حول طول مدتها ومتى ستنتهي رهن تحليلاتهم وآمالهم. النسبة الأكبر (37%) ذكرت أنها عاجزة عن توقع أو معرفة متى ستتوقف الحرب و2% رفضت الإجابة، فيما توقّع 16% انتهاءها خلال أسابيع، و25% استمرارها من شهر إلى ثلاثة أشهر، و11% استمرارها من ثلاثة إلى ستة أشهر، و6% من ستة أشهر إلى سنة، و3% توقّعوا أن الحرب ستطول لأكثر من سنة وذلك عند إجراء الدراسة في آخر أسبوع من شهر آذار. أكثر المتفائلين بانتهاء الحرب في غضون أسابيع كانت بين اللبنانيين الشيعة (29% منهم)، مقارنة بـ 11% من السنّة والدروز، و9% من المسيحيين، 20% من الذين لم يفصحوا عن مذهبهم.
أما عن ربط مساري انتهاء الحرب في لبنان وفي إيران، انقسم اللبنانيون بين 45% يعتقدون أنها ستتوقف حال توقفها في إيران و35% يعتقدون عكس ذلك، فيما أجاب 18% أنهم لا يعرفون. الانقسام حول ارتباط المسارين مع ترجيح لعدم ترابطهما واضح لدى مختلف الطوائف باستثناء الشيعة حيث 61% من الشيعة متأكدين من توقف الحرب في لبنان في حال توقفها في إيران بالإضافة إلى 11% يرجحون ذلك. أما أغلبية المسيحيين (49% ترى أنها لن تتوقف في حال توقفها في إيران مقابل 36% يعتقدون بترابطهما) وكذلك الحال بين اللبنانيين السنة (41% لا يرون ترابط مقابل 38% يعتقدون بترابطهما).
على الصعيد الأمني، يظهر جليًا أن توقعات اللبنانيين للمرحلة المقبلة لم تتأثر كثيرًا بأجواء التهويل السياسي التي يتعرّضون لها يوميًا خلال هذه الحرب من قبل السياسيين والمحلّلين والإعلاميين، وهذا ما أظهرته قراءة آراء اللبنانيين المتطرفة (أي ما يتوقعون حدوثه حتمًا أو ما يستبعدون حدوثه قطعًا) على الصعيد الأمني.
حظي قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله وحصر دوره بالعمل السياسي فقط بتأييد أعلى من معارضته. 39% من اللبنانيين أيّدوا القرار؛ بين مؤيد بشدة (31%) ومؤيد إلى حد ما (8%)، فيما عارضه 23% من اللبنانيين؛ بين معارض بشدة (18%) ومعارض إلى حد ما (5%). أما اللافت هو تمنّع نسبة كبيرة عن الإجابة على هذا السؤال بلغت 30%، إضافة إلى 9% استصعبوا الإجابة عنه. التأييد الأكبر لهذا القرار أتى بنسبة عالية لدى المسيحيين (53% يؤيد بشدة و5% يؤيد إلى حد ما)، يليهم الدروز (38% يؤيد بشدة و11% يؤيد إلى حد ما)، ثم السنّة (34% يؤيد بشدة و11% يؤيد إلى حد ما). أما النتيجة بين الشيعة فأتت معاكسة (45% تعارض بشدة و5% تعارض إلى حد ما).
المبادرة الفرنسية لوقف إطلاق النار مقابل اعتراف لبنان بدولة إسرائيل ضمن اتفاقية سلام قوبلت بالمعارضة (42%) أكثر من التأييد (32%). البعض عارضها بشدّة (34%) أو إلى حد ما (8%)، وآخرون أيّدوها بشدّة (19%) أو إلى حد ما (14%). وتبقى نسبة 17% لا تعرف بمَ تجيب، و8% رفضت الإجابة. فقط المسيحيون هم من غلب عليهم تأييد المبادرة من بين مختلف الطوائف إذ أيّدها بشدّة 37% أو إلى حد ما 23% من المسيحيين. الجدير بالذكر كان رفض السنة لها إذ عارضها بشدّة 34% أو إلى حد ما 10% منهم. بالطبع كان رفض الشيعة لها هو الأعلى إذ عارضها بشدّة 60% أو إلى حد ما 7% منهم. تجدر الإشارة إلى أن 5% من الشيعة أيدها بشدة و8% على حد ما. كذلك 15% و10% على التوالي من السنة. أما بين المسيحيين فنسبة ليست ببسيطة عارضتها بشدّة 15% أو إلى حد ما 6%. ختامًا، إن خُيّر اللبنانيون بين احتمالين اثنين لا ثالث لهما، إما احتلال إسرائيل لجزء من الجنوب وسحب سلاح حزب الله، إما الإبقاء على سلاح حزب الله من دون احتلال جزء من الجنوب، تختار نسبة 39% من اللبنانيين الإبقاء على سلاح حزب الله، مقابل 11% تختار التخلّص من سلاح حزب الله ولو على حساب احتلال جزء من الجنوب.
اللافت أن نسبة الذين رفضوا الإجابة عن السؤال كانت مرتفعة جدًا وبلغت 32%، فيما وصلت نسبة الذين لا يعرفون بمَ يجيبون إلى 18%، أي نصف العينة لم تعط جوابًا. ويبرز اختيار الابقاء على السلاح بشكل أعلى بين اللبنانيين الشيعة وبنسبة 69% منهم فيما 0% اختار سحب السلاح. وفي السياق نفسه، فضل السنة بقاء السلاح على الاحتلال وبنسبة 40% مقابل 12%. أما المسيحيون فقد انقسموا بين من اختار سحب السلاح ولو على حساب احتلال جزء من الجنوب وبين من اختار بقاء السلاح من دون احتلال وبنسبة 20% لكل من الخيارين.
Next
Next

!تفاؤل في الكويت بالرغم من الحرب