عمالة الأطفال في لبنان... آليات إعادة إنتاج الفقر

تشير سلسلة من التقييمات التي نُشرت خلال السنوات العشر الماضية، إلى الارتفاع المستمر في نسب انخراط الأطفال في ظاهرة عمالة الأطفال في لبنان، إذ نشرت منظمة اليونسيف دراسةً في حزيران/ يونيو 2023، تُفيد بأن ما يقرب من 15% من الأسر التي تم استطلاع أوضاعها في لبنان، قد أرسلت أطفالها إلى سوق العمل من عيّنة مقسمة على النحو التالي: 52% أسر لبنانية، 24.7% سورية، و23.3% فلسطينية. وبحسب دراسة أجرتها إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية في العام 2015، تبين أنه من بين 919،000 طفل في لبنان، يوجد 33،474 طفلاً يعملون ويشكلون نسبة 3.6% من مجموع الأطفال في لبنان، بين سن الـ5 والـ17 سنةً. وتبلغ نسبة عمالة الأطفال أعلى معدلاتها في الفئة العمرية من 15 إلى 17 سنةً، وتشكل نسبة 8% من الأطفال العاملين تبعاً للتصنيف اللبناني لعمالة الأطفال، و6.7% تبعاً لتصنيف منظمة العمل الدولية. كما تبين أن 79% من الأطفال العاملين يعملون في أعمال خطرة. وبالرغم من أن هذه الدراسات قد استخدمت منهجيات مختلفةً، إلا أنها تساعد على رؤية التغيّرات الزمنية لنسب العمالة. فالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً، تضاعف عدد العاملين بينهم ثلاث مرات بين عامي 2009 و2016، أي حتى قبل بدء الأزمة الاقتصادية في عام 2019، حيث ارتفعت نسبتهم من 1.6% إلى 6%.

المعطيات من تقارير متعددة صادرة عن اليونسيف، إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية

يُشير الجدول أعلاه، إلى أن عمالة الأطفال في تصاعد مستمر منذ 2009، وقد تفاقمت هذه الظاهرة بسبب الأزمة الاقتصادية التي رفعت نسبة عمالة الأطفال من 9% عام 2020، إلى 15% عام 2023، وهو ما يدل على انعدام فعالية الجهات المعنية في التخفيف من عمالة الأطفال، علماً أن 79% من الأطفال العاملين يعملون في أعمال خطرة.
وفي دراسات أخرى أُجريت قبل الأزمة الاقتصادية الراهنة، وقامت بها جهات رسمية وغير رسمية، من بينها وزارة العمل اللبنانية، فقد تم تقدير عدد الأطفال العاملين في لبنان في العام 2016، بأكثر من 100 ألف طفل؛ منهم 62 ألف طفل لبناني، و37 ألف طفل سوري و4،500 طفل فلسطيني. وتشير رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في وزارة العمل نزهة شليطة، إلى أن الأرقام قد ارتفعت بنسبة تبلغ ما بين 20% و30% بعد الأزمة الاقتصادية.

ارتفاع حالات الاعتداء على الأطفال

يؤكد قانون العمل اللبناني على أن عمل الأطفال يجب أن يكون في بيئة وظروف صحية وسليمة، لا تشكل خطراً على حياتهم ونموّهم، إلا أن الدراسات التي تطرقت إلى عمل الأطفال تشير إلى قساوة الظروف التي يعملون بها، نتيجة ما يتعرضون له من ضغوط ومخاطر واعتداءات، دون أن يكون للهيئات الرقابية أي دور فاعل. ففي دراسة أجرتها لجنة الإنقاذ الدولية في العام 2019، أفاد 52% من الأطفال العاملين أنهم يتعرضون لمخاطر جسدية، و77.7% منهم يعملون في درجة حرارة عالية، وكذلك 62.7% في درجة حرارة منخفضة. وأظهرت الدراسة أن احتمال التعرض لمخاطر جسدية للذين يعملون في القطاع الزراعي أعلى بنسبة 7.7 مرات مقارنةً بالأطفال الآخرين العاملين في القطاعات الأخرى. وعانى 75% من الأطفال العاملين من إصابات بسبب استخدام الأدوات الحادة وجمع المحاصيل، لا سيما في الزراعة. كما تسبّب التعرّض للمبيدات والمواد الكيميائية الأخرى في الإصابة بالربو (6.1%)، والطفح الجلدي (7.5%)، بالإضافة إلى ذلك، ذكر 33% من الأطفال الذين شملهم الاستطلاع عواقب أخرى مثل الصداع وآلام الظهر والأعضاء المكسورة والأسنان المكسورة والبرد والإنفلونزا والحروق. ويبيّن التقرير أن عدد حالات الاعتداء على الأطفال والحالات التي تعاملت معها اليونيسيف وشركاؤها ارتفع بنحو النصف تقريباً (44 %)، بين تشرين الأول/ أكتوبر 2020 وتشرين الأول/ أكتوبر 2021، أي من 3،913 حالةً إلى 5،621 حالةً. وفي دراسة استقصائية جرت في العام 2019، أفاد العديد من الأطفال العاملين بأنهم يعملون لمدة تصل إلى 15 ساعةً في اليوم، مع نصف يوم إلى يوم عطلة في الأسبوع. وبيّنت هذه الدراسة أن الفتيات العاملات يتعرضن لظروف أسوأ من الفتيان، حيث ذكر 66% (55.2% منهم من الذكور) من جميع الأطفال العاملين، أنهم عملوا في ظروف خطرة نفسياً واجتماعياً، في حين ارتفعت النسبة عند الفتيات العاملات إلى 76.8%. وأشار 38% (34.1% منهم من الذكور) من جميع الأطفال العاملين إلى أنهم تعرضوا لحادث عنف واحد على الأقل في العمل أو في طريقهم إلى العمل، في حين بلغت النسبة بين الفتيات العاملات 41.9%. أفاد معظم الأطفال العاملين (74.4%)، بأنهم تعرضوا للإيذاء الجسدي واللفظي في أثناء عملهم. العنف الأساسي الذي يواجهونه في العمل هو الإيذاء الجسدي (58.3% من الحالات)، تليه الإساءة اللفظية (28%). وتمثلت أكثر حالات الإساءة الجسدية تطرفاً في مكان العمل، باستخدام عصا أو خرطوم كأداة للضرب (29.2%). أيضاً، كانت الفتيات أكثر عرضةً للإبلاغ عن المخاطر النفسية والاجتماعية من الفتيان. وتم الإبلاغ عن العديد من حالات الانتهاك الجنسي التي واجهتها الفتيات العاملات والفتيان العاملون بسبب التحرش الجنسي.

عمالة الأطفال وتوفير الغذاء للأسرة

يبيّن تقرير صدر في العام 2022، بعنوان: "الأطفال العاملون في لبنان: استكشاف الروابط بين انعدام الأمن الغذائي وعمل الأطفال"، حول مصدر الدخل الأساسي للأسرة، ارتفاع مساهمة الأطفال العاملين في توفير مصادر الدخل الرئيسي للأسرة، إذ ترتفع من 40% قبل أزمة 2019، إلى 61% بعد الأزمة، لتصل إلى 67% بعد جائحة كورونا في العام 2022.

ويظهر أن السبب الأساسي والمباشر لعمالة الأطفال في لبنان، لا سيما وسط الأطفال السوريين وكذلك في تجمعات الفقر اللبنانية، هو عدم قدرة رب العائلة على إعالة أسرته وتوفير متطلباتها الغذائية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل عمالة الأطفال تؤمّن الأمن الغذائي لأسرهم؟ الجواب لا، فالأجر الذي يحصل عليه الأطفال العاملون مجحف ولا يكفي لتحسين وضع الأسرة وإخراجها من حالة الفقر، لا بل نتائج عمل الأطفال وسوء الظروف التي يعملون بها، وأثرها السلبي على صحتهم، تؤدي لاحقاً إلى استنزاف ما جنوه من أجر. وجلّ ما يساهم فيه عائد عمالة الأطفال، هو التخفيف من درجة الفقر، لا سيما وأن جميع الدراسات التي تناولت عمالة الأطفال لم تقدّم بيانات كافيةً حول أجور الأطفال العاملين، إلا أنه من الواضح أن أجور الأطفال لا تغطي احتياجاتهم الأساسية.

قانون العمل اللبناني وعمالة الأطفال

يقسّم قانون العمل في لبنان الأطفال بشكل أساسي إلى فئتين؛ من هم دون 14 سنةً، ومن هم بين 14 و18 سنةً. ويحظر القانون بشكل قاطع تشغيل الأطفال الذين لم يكملوا 13 عاماً، كما يحظر تشغيل أي طفل دون سن الـ16 عاماً في أنواع معيّنة من الأعمال التي تُعدّ ضارةً. وينص على أنه لا يجوز تشغيل أي طفل لأكثر من ست ساعات في اليوم، ويجب أن يُمنح ساعةً واحدةً على الأقل من الراحة كلما تجاوز إجمالي ساعات العمل أربع ساعات في اليوم. في العام 2000، أعلنت الحكومة اللبنانية رسمياً التزامها بإنهاء عمل الأطفال، وتطبيقاً لهذا المسار، أطلقت بالتعاون مع اليونسيف ومنظمة العمل الدولية برنامجاً لمكافحة عمل الأطفال، وأصدرت في العام 2012 المرسوم رقم 8987، الذي يحظر صراحةً تشغيل الأطفال في أعمال خطرة، وتحديداً في المواقف التي تكون فيها صحتهم الجسدية والنفسية معرضةً للخطر، وتم تخفيض السن لتطبيق هذه المحاذير من سن 18 إلى 16 سنةً. كما نص المرسوم على عدم تشغيل القاصرين في الأنشطة الزراعية التي تتطلب تشغيل آلات زراعية، أو التعامل مع المبيدات الحشرية أو الأسمدة، أو التعامل مع النباتات السامة، أو العمل لأكثر من أربع ساعات في اليوم. وبرغم ذلك لا تزال الزراعة المجال الذي يكثر فيه انتشار عمالة الأطفال، وغالباً ما تبدأ قبل سن العشر سنوات.

ضعف الأداء في مواجهة ظاهرة عمالة الأطفال

لا يمكن مقاربة مكافحة ظاهرة عمالة الأطفال من خلال تكليف جهة محدّدة بموجب القانون، وإنما هي نتاج مجموعة من التدخلات المتكاملة، وجزء من السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة، بالإضافة إلى أنها انعكاس للعلاقات الإنتاجية في المجتمع ومستوى تطوره. وعلى الرغم من الاعتراف الرسمي من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية، بحجم ظاهرة عمل الأطفال في لبنان، وقيام الحكومة باتخاذ سلسلة من القرارات والإجراءات منذ العام 2000، إلا أن أعداد الأطفال العاملين لم تتراجع بل ازدادت، وازدادت معها الظروف السيئة للعمل والاستغلال. ويطرح هذا الوضع التساؤل حول الأسباب التي تؤدي إلى عدم نجاعة الأداء الحكومي والمنظمات الدولية والجمعيات الأهلية في مكافحة عمل الأطفال؟ تجهد المؤسسات المعنية بمواجهة عمالة الأطفال في تبرير عدم فاعلية دورها بأسباب إدارية ومالية، ومن هذه الأسباب التي تم رصدها من مقابلات وتقارير منشورة في وسائل الإعلام نجد الأسباب التالية:

  • النقص في عدد المفتّشين في قسم التفتيش في وزارة العمل، حيث لا يوجد سوى 11 مفتشاً فنياً، وأقل من 20 مفتشاً إدارياً مع مساعدين، ولا يستطيعون تغطية كل القطاعات والمناطق اللبنانية.
  • غياب التمويل اللازم لتنفيذ الخطة التي أطلقتها اللجنة الوطنية للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، وغياب التمويل لا يرتبط فقط بوزارة العمل وحدها وإنما بالوزارات الأخرى المعنية مثل وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة العدل والقوى الأمنية.
  • إقفال المراكز التي أنشأتها وزارة العمل في البقاع وطرابلس والنبطية والأوزاعي بسبب وقف التمويل من الجهات المانحة والجمعيات الأهليّة والمؤسسات الرعائية.

ولكن هل المشكلة فقط في القدرة المالية والبشرية، أم أنها في مكان آخر؟ يشير تتبع دور وزارة العمل إلى أنه منذ العام 2019 لم تجتمع اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال، لأن "الوزراء السابقين لم يولوا الموضوع أهميةً"، كما تقول رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في الوزارة. ويشير آخر تقرير منشور لوزارة العمل عن إنجازات الوزارة في العام 2018، في مجال مكافحة عمل الأطفال إلى "أنها سهلت التواصل بين منظمة العمل الدولية والوزارات المعنية إلى جانب البلديات واتحاد البلديات، بالإضافة إلى الإشراف على التحضيرات لإطلاق جوقة سُمّيت 'جوقة مكافحة عمل الأطفال' بمناسبة الاحتفال بيوم الطفل في القصر الجمهوري، في 20 آذار 2018"، في إطار مبادرة "الموسيقى ضد عمل الأطفال" التي أطلقتها منظمة العمل الدولية في عام 2013 مع أبرز الموسيقيين في العالم. وتبرر الوزارة على لسان المسؤولين عن وحدة مكافحة عمل الأطفال أن "الثغرة الأساسية أنه لا توجد ميزانية لمكافحة عمل الأطفال، إلى جانب انعدام التمويل من الجهات المانحة والمنظمات الدولية... وأن منظمة العمل الدولية المعنية مباشرةً بالملف، والمسؤولة عن الدعم المادي والتقني، تكتفي بإصدار التقارير". إن التدقيق في عمل المؤسسات الدولية يشير إلى كثافة التقارير التي تصدرها حول المواضيع التي تقع ضمن صلاحياتها وأسباب وجودها، وتقوم بتنظيم ورش العمل وتستقدم "الخبراء" الدوليين لتقديم "النصائح" من دون أن نلمس نتائج وإنجازات فعليةً على أرض الواقع يكون لها أثر مباشر على القضاء على عمالة الأطفال. وتُظهر المعطيات من الدراسات كافة التي تناولت ظاهرة عمل الأطفال، أن الفقر وانعدام الأمن الغذائي متلازمان، وأن عمل الأطفال ليس سوى نتاج طبيعي لعلاقات الاستغلال التي تقوم عليها العلاقات الإنتاجية السائدة، وأن التدخلات التي تستخلصها المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية من الربط بين عمل الأطفال وانعدام الأمن الغذائي لدى أسرهم والمتمثلة في زيادة المساعدات النقدية Cash for Work، لا تتعامل مع الأسباب الحقيقية لعمالة الأطفال، ولذلك تعجز عن المعالجة الجذرية لأسباب المشكلة، وتبقي تدخلاتها في إطار "الإغاثة الإنسانية"، من خلال توزيع مساعدات نقدية، أو في إطار العمل "الفلكلوري" بتنظيم ورش عمل وعقد اجتماعات وإصدار دراسات لم تؤدِ إلى مكافحة هذه الظاهرة المترسخة. وفي المقابل تتزايد أعداد الأطفال المنخرطين في سوق العمل، وتزداد ظروف عملهم قسوةً، وتتم إعادة إنتاج الفقر.

Previous
Previous

Navigating the Digital Maze: ARA’s Ultimate Guide to Media Monitoring 

Next
Next

كيف تتآمر "السلطة السياسية" على الجامعة اللبنانية؟ ولماذا؟